التطبيع لا يُضمن الاستقرار

المبالغة في المطالبة بالحقّ ربما تجعله باطلاً وتُدين المُحقّ، بسبب إغفاله لعواقب القرارات ومآلات الأمور وما يمكن أن ينتج عن الصراعات. لا أعتقد أن الحق الفلسطيني سيسقط بالتقادم، والتعاون والتطبيع يعتمدان على تقدير قوى الداخل والخارج. تجمع إسرائيل بين ديمقراطيتها وسلوكها العسكري، مما يثير الاستفهام حول نواياها ومستقبل السلام. لا تزال السلطة الفلسطينية تعتمد على الدعم العربي، والغرب يُعقد الأمور بمواقفه المتشعبة. إسرائيل تظل مصدر تعقيدات في الشرق الأوسط. على العرب والمسلمين أن يسعوا للسلام والتعاون بصدق.

قد يكونت السلطة الفلسطينية قد فقدت دعمها الدولي، الذي كان يمتد إلى حد كبير للدعم الروحي فقط، مما دفعها إلى الاعتماد بشكل محدود على التنديد والقلق. وقد شهدت أيضًا انقسامات وتشظيات داخلية في الجبهة الفلسطينية بين تيارات وأحزاب مختلفة، دون أن تفقد الدعم العربي، خاصة من المملكة، التي بقيت ملتزمة بدعم القضية الفلسطينية على مر الزمن، وستستمر في ذلك حتى بعد تحقيق حلاً عادلاً للقضية. تأثرت حلول القضية الفلسطينية بشكل كبير بتقلبات المواقف الغربية، ويشير الأدلة والمشاهدات إلى أن السياسة الأمريكية قد قيدت حرية الجميع بمواقفها الغامضة وأخذت ملف القضية في احتكارها، مع انحيازها لصالح الجانب الإسرائيلي، مما يظهر أنها تتحكم في مسار الحل النهائي وتدفع بهمسة خلف الستار.

بما أن دورنا يقتصر على مراقبة الأحداث والتفكير العميق، أجد أحيانًا نفسي ينقسم بين إعتبار القضية الفلسطينية مشكلة ذات طابع محدد، وبين النظر في القضية نفسها كجزء من سبب الصعوبة. وللمرة الأخرى، يمكن أن أرى الجذور المشكلة تكمن في الاقتراحات المقدمة لحلها، أو حتى في النتائج المتوقعة من هذه الحلول.

ومع تلك التحديات المستمرة، يبدو أن كل أزمة تمر بها الشعب الفلسطيني تعيدها إلى نقطة الصفر. ورغم اهتمام الوسطاء بالقضية، إلا أنه يبدو أنهم يحتفظون بها في الهامش، ولا يتقدمون بحلول فعّالة.

إذا كان لدي صوت يمكن أن يصل إلى السياسيين الإسرائيليين بجميع أطيافهم، فسأقول إن مشاعر العرب والمسلمين تكون أكثر وضوحًا تجاه إسرائيل مما هي عليه من قِبل الإسرائيليين نحو العرب والمسلمين. وإذا اعتمدنا على مبدأ حسن الظن في أبناء العمومة، فإن الغموض الذي يحيط بتوجهات وأهداف إسرائيل يمكن أن يثير قلقًا حول نياتها وتوجهاتها.

هناك شريحة واسعة من المسلمين تنظر إلى القضية بمنطق قائم على آيات القرآن كمرشد للتصرف، تمامًا كما تعتمد بعض الجماعات اليهودية على نصوص التوراة. أحيانًا، يمكن أن أفكر أن اليهود الذين يعيشون في فلسطين ليسوا هم نفسهم الذين كانوا هدفا للوحي، وأن التأثير الوراثي يمكن أن يختلف في ضوء العوامل الثقافية والتطور البشري. ومع ذلك، يبقى الدين والإيمان عوامل مؤثرة في السياسة والتصرف السياسي.

لذا، يتساءل البعض: هل يمكن لإسرائيل، بصفتها الديمقراطية والمؤسسة، أن تبرر استخدام القوة والعنف بناءً على مبادئها الديمقراطية؟ وهل يمكن أن يكون لأفعالها العسكرية تأثير على صورتها العامة كدولة مدنية؟ أم أن هذه الأفعال تعد محاولات لتبرئة ساحتها في المجتمع الدولي من خلال الإخفاء الإع

لو اعتبرنا إسرائيل نموذجاً للديمقراطية في الشرق الأوسط، ودولة تعتمد على المؤسسات المدنية، هل يمكن لجيشها ومستوطنيها أن يبرروا أفعالهم بوصفها دولة ديمقراطية؟ وهل يمكن أن نعتبر استخدام العنف والتحركات العسكرية كمظهر للمدنية؟ أم أن هذه الأفعال تعتبر جزءًا من جهودهم للترويج لصورة إيجابية على الساحة الدولية للتغطية على جوانب أخرى تتعلق بالتحيز والعنصرية.

إسرائيل تبدو كجهة لا تشبع من الاحتياجات والتوسع، وتكبير نطاق تأثيرها. بدون قيود على طموحاتها وطموحاتها، ستستمر في التعاقد على اتفاقات سلام تكتيكية لفترات مؤقتة لمجرد مصلحتها ولأهدافها الخاصة. وهي قد تظل تنفذ أجنداتها وتوجهاتها بغض النظر عن التحديات والضغوط.

منذ تولت منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية الشعب الفلسطيني وأصبحت المتحدث الرسمي باسم القضية في مؤتمر القمة العربي بالرباط عام 1974، وبالرغم من أنها تُعتبر السلطة الفلسطينية بصلاحيات محدودة من قبل البعض، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق نجاح كبير في تحقيق حقوق شعبها بالكامل. يبدو أن الأطراف المعنية أصبحت أكثر من استيعاب الملعب وأن العوائق ما زالت تعيق التقدم في تحقيق السلام وحقوق الشعب الفلسطيني.

سنظل متمسكين بآخر شعور بالأمل، حتى لو كان ضعيفًا كأوهام عنكبوت البيت. وسنعتبر “وقف نزف دماء الفلسطينيين” فوزًا للقضية وشهادة على تضحيات رموزها. لدي كل عربي إيمان بأن تحقيق السلام بين فلسطين وإسرائيل يمكن أن يكون مفيدًا للجميع وطريقًا للخروج من دوائر الصراع وبناء دولة فلسطينية واستعادة الأراضي وعودة اللاجئين.

إذا كان الإسرائيليون يعتقدون أن التطبيع وحده يمكن أن يحقق السلام، فإن ذلك هو وهم. الحقيقة هي أن السلام يمكن أن يساعد في تحقيق التطبيع، وأحد أسئلة اليوم هي: ما هي الفوائد التي حققها المتعاونون وما هي الخسائر التي تكبدوها؟

في الختام، لا يجب أن ننسى أن من يستخدم الصراع ويشجع على العداوة ويسهم في تصاعد التوترات لن يكون صديقًا حتى لذاته.

نقلاً عن “عكاظ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.